انتخابات 2026 بين الحسم المسبق وطنياً واليقين الانتخابي في العيون

3 أبريل، 2026 يوسفي محمد

مع اقتراب موعد الاقتراع للانتخابات التشريعية لسنة 2026، تتصاعد وتيرة النقاشات السياسية والديناميات الحزبية، مرفوقة بسيل من الآراء والمقالات التي يكتبها صحفيون ومدونون ونشطاء، مستقلون وغير مستقلين، حول الاستحقاقات المقبلة. غير أن مستوى جزء من هذه النقاشات لا يبدو محفزاً على الانخراط فيه أو حتى متابعته، بالنظر إلى ما يطبعه من تناقضات تضعف الثقة في الفعل السياسي برمته.

ففي مشهد يثير الاستغراب، يخرج حزبان من مكونات الأغلبية الحكومية لانتقاد الحكومة التي يشكلان جزءاً منها، في حين يعود حزب العدالة والتنمية إلى التلويح بتبني مقترحات سبق أن رفضها خلال فترة تدبيره، وعلى رأسها فرض ضريبة على شركات المحروقات. وهو ما يعكس انفصالاً واضحاً بين الخطاب والممارسة، ويطرح علامات استفهام حول مدى احترام ذكاء المتتبعين.

ومن اليمين إلى اليسار، لا يبدو الوضع أفضل حالاً. إذ يتجدد النقاش داخل اليسار الديمقراطي حول “الوحدة”، رغم أن تجربة فيدرالية اليسار لم تعمر طويلاً، وانتهت إلى التفكك بفعل حسابات ضيقة وصراعات داخلية. ويأتي هذا في سياق يُنظر فيه إلى هذا اليسار كفاعل محدود التأثير انتخابياً، في ظل ما يُعتبر “كوطا” غير معلنة لا تتجاوز مقعدين برلمانيين. كما يثير دخول حزب التقدم والاشتراكية على خط هذا النقاش الكثير من الجدل، خاصة بالنظر إلى مواقفه السابقة، ومن بينها موقفه من حراك الريف.

على المستوى الوطني، تبدو الصورة شبه محسومة. أحزاب تتنافس ظاهرياً، لكنها تلتقي عملياً حول تنفيذ نفس التوجهات الكبرى، خاصة في ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية وخوصصة بعض القطاعات الاجتماعية. هذا المثال في الخيارات يفرغ التنافس الانتخابي من مضمونه، ويجعل من الصعب الحديث عن بدائل سياسية حقيقية.

ولا يحتاج المتتبع إلى جهد كبير لتوقع نتائج الانتخابات المقبلة، إذ يظل تصدر الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية الحالية هو السيناريو الأرجح، مع احتمال تسجيل بعض التغييرات الطفيفة على مستوى توزيع المقاعد. في المقابل، تبرز رغبة واضحة في إعادة إدماج بعض الأحزاب في المشهد، مثل العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، بينما يبدو الاتحاد الاشتراكي مستقراً في موقعه الوسطي منذ مدة.

غير أن الانتقال من الوطني إلى المحلي، وتحديداً إلى الأقاليم الجنوبية، يكشف عن واقع سياسي مختلف، تحكمه معطيات خاصة، في مقدمتها طبيعة النزاع حول الصحراء، وما يفرزه من رهانات سياسية وتمثيلية. فبين من يرى أن الملف في حالة جمود، ومن يعتبره قريباً من الحسم، تبرز فئة ثالثة تتعامل معه كمدخل لإعادة توزيع النفوذ السياسي والاقتصادي، عبر بوابة “تمثيلية الصحراويين”.

هذه التمثيلية تفرز نمطاً خاصاً من الممارسة السياسية، حيث تتداخل أدوار القبيلة والسلطة بشكل واضح. فالقبيلة، باعتبارها أحد أبرز المحددات الاجتماعية في المنطقة، تتحول إلى فاعل انتخابي أساسي، تُترجم قوته إلى مقاعد مضمونة داخل مختلف الأحزاب، بغض النظر عن مرجعياتها.

وبالانتقال إلى جهة العيون، تبدو الخريطة الانتخابية أكثر وضوحاً، بل وأقرب إلى الحسم المسبق. ففي إقليم العيون، تبدو المقاعد الثلاثة شبه محسومة، مع استمرار حضور أسماء بعينها، مثل حمدي ولد الرشيد أو أحد أفراد عائلته عن حزب الاستقلال، ومحمد عياش عن التجمع الوطني للأحرار، في انتظار الحسم في الوجهة السياسية لمحمد سالم الجماني.

وفي بوجدور، ترجح التوقعات عودة عبد الله ادبدا، في مقابل تراجع حظوظ أسماء أخرى، مع استمرار حضور عبد العزيز أبا. أما في السمارة، فيبقى المقعد الأول في دائرة حزب الاستقلال، بينما يحتدم التنافس على المقعد الثاني بين مرشحي الأحرار والأصالة والمعاصرة.

الوضع ذاته يتكرر في طرفاية، حيث تبدو المقاعد موزعة سلفاً بين حزبي الاستقلال والأحرار، مع محدودية هامش المفاجأة.

كما أن اللائحة الجهوية للنساء لا تخرج عن هذا النسق، إذ يُرتقب أن يحتفظ حزب الاستقلال بمقعدين، مع صعود اسم فاطمة حبدي لتعويض فاطمة سيدة، في وقت يظل فيه الغموض قائماً حول الاسم الذي سيخلف الرباب عيلال. وفي المقابل، يُنتظر استمرار ليلى داهي عن حزب التجمع الوطني للأحرار، فيما يبقى موقع الحجة الجماني مفتوحاً بين الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية، على أن يظل المقعد الخامس رهيناً بمدى قوة حضور الاتحاد الاشتراكي.

هذا “الستاتيكو” الانتخابي لا يعكس فقط ما يُوصف بهندسة مسبقة للمشهد السياسي، بل يرتبط أيضاً بقوة الماكينات الانتخابية المحلية، التي توظف مختلف العوامل، من الانتماء القبلي إلى رهانات قضية الصحراء، لضمان استمرارية نفس الوجوه.

وفي ظل سعي السلطة إلى رفع نسبة المشاركة الانتخابية، لتقديمها كمعطى إيجابي على المستوى الدولي، يتم أحياناً التغاضي عن اختلالات تمس جوهر العملية الديمقراطية، كما حدث خلال انتخابات 2021، خاصة في إقليم العيون.

في المحصلة، يبدو أن الانتخابات التشريعية المقبلة تجري في ظل واقع سياسي شبه مغلق، تتقاطع فيه الحسابات الوطنية مع التوازنات المحلية، ليظل هامش التغيير محدوداً، سواء في الرباط أو في العيون، في انتظار تحولات أعمق قد تعيد رسم ملامح المشهد السياسي مستقبلاً.

التصنيفات الرئيسية

تابع جديدنا

اشترك في نشرتنا اليومية للحصول على أحدث الأخبار

لا يتم نشر بريدك الإلكتروني. يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

أحدث الأخبار