الثروة السمكية بين الحسابات السياسية وضرورة حماية الثروة السمكية

29 مارس، 2026 هيئة التحرير

عادل السندادي

يشهد قطاع الصيد البحري في الآونة الأخيرة وضعًا مقلقًا، يتجلى أساسًا في تراجع المخزون السمكي، وهو ما يطرح بإلحاح سؤالًا جوهريًا حول كيفية تدبير هذا المورد الحيوي. بين منطق الاستدامة، الذي يفرض نفسه كخيار استراتيجي لا بديل عنه، ومنطق الحسابات السياسية، يجد القطاع نفسه أمام مفترق طرق حاسم.

إن تدبير الثروة السمكية في ظل هذه الظرفية البيئية الدقيقة يقتضي اعتماد مقاربة علمية ومهنية صارمة، ترتكز على تقليص الضغط على المصايد وضمان تجدد الموارد البحرية. غير أن الواقع يكشف استمرار نهج مغاير، حيث تُتخذ قرارات غريبة، من قبيل إبرام اتفاقيات دولية – آخرها مع روسيا – دون مراعاة لوضعية المخزون السمكي، الذي أصبح يعيش وضعًا مقلقًا يتطلب إجراءات أكثر جرأة ووضوحًا.

ومن أبرز مظاهر هذا الاختلال، التفاوت الواضح في توزيع الحصص (الكوطا)، إذ يتم منح الأسطول الوطني حصصًا محدودة تحت ذريعة الحفاظ على الثروة، في مقابل فسح المجال بشكل أوسع للأساطيل الأجنبية. هذه المفارقة لا تطرح فقط إشكال العدالة الاقتصادية، بل تثير أيضًا تساؤلات عميقة حول جدوى هذه الاختيارات، خاصة وأن الأسطول الوطني يساهم بشكل كبير في خلق فرص الشغل وضمان الاستقرار الاجتماعي بالمناطق الساحلية.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى إشكالية المراقبة، حيث تعتمد بعض البواخر الأجنبية على التفريغ في عرض البحر، وهو ما يضعف آليات التتبع والمحاسبة، ويجعل من الصعب تحديد الحجم الحقيقي للمصطادات. وفي ظل غياب رقابة فعالة، يظل خطر الاستنزاف قائمًا، بما يحمله من تداعيات خطيرة على مستقبل القطاع.

في المقابل، يعاني البحّار المغربي من واقع صعب، يتسم بتقلص الحصص وارتفاع تكاليف الإنتاج، في ظل غياب دعم حقيقي يواكب هذه التحديات. كما أن تغييب المهنيين من دوائر اتخاذ القرار يزيد من تعقيد الوضع، ويفقد السياسات المعتمدة جزءًا كبيرًا من نجاعتها، بالنظر إلى أن هذه الفئة هي الأكثر دراية بواقع البحر وتحولاته.

ولا تنحصر آثار هذه الاختلالات في الجانب المهني فقط، بل تمتد إلى السوق الداخلية، حيث يؤدي تراجع العرض إلى ارتفاع أسعار السمك، مما يثقل كاهل المواطن، ويحول منتوجًا كان في متناول الجميع إلى مادة شبه مكلفة.

أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لسياسات تدبير قطاع الصيد البحري، تقوم على إعادة الاعتبار للبعد البيئي، وتعزيز الحكامة التشاركية، وضمان توزيع عادل للثروة، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحمي حقوق المهنيين ويصون حق الأجيال القادمة. كما أن البحث عن صيغ تعاون دولي أكثر توازنًا، قائمة على مبدأ الربح المتبادل، يظل خيارًا ضروريًا بدل الاستمرار في اتفاقيات تساهم في استنزاف ثرواتنا السمكية.

وفي الختام، يبقى السؤال مطروحًا: إلى متى سيظل تدبير ثرواتنا الطبيعية خاضعًا لمنطق سياسي ضيق، بدل أن يكون رافعة للتنمية، بدل أن يكون رافعة للتنمية، وحرمان مستقبل الأجيال القادمة من حقها؟


التصنيفات الرئيسية

تابع جديدنا

اشترك في نشرتنا اليومية للحصول على أحدث الأخبار

لا يتم نشر بريدك الإلكتروني. يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

أحدث الأخبار